بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

إيران.. حرائق التخوم لا تفيد

هل ما يجري في منطقة الخليج العربي جديد أو مثير بالنسبة لمتابعي الشأن الأميركي لا سيما في جدليته التي لم تتوقف منذ أربعة عقود مع الولايات المتحدة الأميركية؟

الذين يقرأون لا ينهزمون، والعارفون يضيئون بمعرفتهم في اللحظات التي تدلهم فيها الخطوب، ولهذا يمكن القطع بأن إيران اليوم تتبع سياسة المراكز والتخوم، وفي رواية أخرى إنها تمضي وراء نظرية "بن غوريون" وهي "شد الأطراف"، أي أنك إن أردت أن ترهق المركز، فما عليك سوى شد الأطراف كي ينزعج القلب، وقد عكست هذه الآية مؤخراً من خلال شد الأطراف وإشعال الحرائق في التخوم، كي يستريح المركز ويخف الضغط عليه.

قبل ثلاثة عقود وفي عملية جرت وقائعها قبل نهايات الحرب الإيرانية العراقية بقليل، تعرضت فرقاطة الصواريخ الأميركية "صامويل روبرتس" للغم بحري أثبتت التحقيقات أنه إيراني، وكاد يغرق الفرقاطة قبل أن ينجح طاقمها في إنقاذها، ورغم أن الخسائر في الأرواح الأميركية كانت لا شيء، إلا أن القوات الأميركية جواً وبحراً أغرقت في المقابل نصف الأسطول الإيراني، في علمية عرفت باسم "براينغ مانتيس" أو "فرس النبي"، الأمر الذي جعل الخميني يطلق قولته الشهيرة وقتها "أتجرع كأس السم"، وينهي المواجهة مع العراق.

منذ ذلك التاريخ يبدو أن إيران أيقنت بحتمية نقل معاركها إلى خارج أراضيها، وحتى تكون بمثابة مصدات جغرافية وديمغرافية، تقيها شر المواجهة التي تيقن أنها قادمة لا محالة مع المجتمع الدولي.

عبر ثلاثة عقود تخاذل المجتمع الدولي في أن يقف صفاً واحداً تجاه ما وصفه القائم بالأعمال الأميركي في الأمم المتحدة "جوناثان كوهين" قبل ساعات بـ"الجهود الكبيرة التي بذلتها إيران لإطالة أمد النزاعات الإقليمية التي تشيع عدم الاستقرار في كل أنحاء العالم، وتؤدي إلى تفاقم المعاناة الإنسانية".

من سوء الطالع أن منطقة الشرق الأوسط كانت قلب تحركات ومؤامرات إيران، ولهذا مدت أطرافها من اليمن في الجنوب حيث الحوثي وميليشياته الإرهابية، وفي القلب الحشد الشعبي في العراق، وجاءت الأزمة السورية لتجدها طهران فرصة مواتية لتحقيق حلمها القديم بالوصول إلى مياه البحر الأبيض المتوسط، أما عن حزب الله في لبنان، وحماس في غزة فحدث عنهما ولا حرج.

باتت أطراف إيران الميليشياوية، كارثة حقيقية، تثير الذعر، بعد أن دفعت طهران أثماناً غالية وعالية لشراء الولاءات، ولنشر أيديولوجيتها الثورية، ولتعميق أنشطتها الخبيثة في المنطقة، الأمر الذي حذر منه العالم العربي، غير أن آذان الأمم المتحدة بدت وكأنها قد صمت، وربما لا تزال على هذه الحال.

عجيب إلى حد الغريب أمر الهيئة الأممية التي لا تزال تصر على دور الوساطة في اليمن، وتدفع بـ "غريفيثس" للتوسط بين جماعة مارقة منشقة وبين الحكومة الشرعية للبلاد، وتضع الجميع في كفة واحدة، ولا تفتح أعينها أو توجه أبصارها إلى الدور الإرهابي الذي تلعبه جماعة الحوثي، الذي بات يتجاوز الإرهاب المحلي، إلى جرائم الحرب.

لم يتساءل السيد "غريفيثس" عمن يزود الحوثي بصواريخ باليستية بعيدة المدى، وتالياً بصواريخ كروز، تقصف قلب المطارات المدنية، كما جرى في "أبها" السعودية قبل أيام، وإن كان الجواب معروفاً للقاصي والداني، إنها إيران محور الشر في الحال والاستقبال.

لا تريد إيران أن تتعرض لعملية "براينغ مانتيس" من جديد، ولهذا وزعت الأدوار على وكلائها كي يتفرق الدم، وتتشتت جهود البحث الجنائي في السعي وراء الأيادي الملوثة بالدماء، لا سيما أن هناك من يمكنه بدوره أن يشعل الداخل العراقي، ويوجه أنظار العم سام إلى حيث يوجد نحو خمسة آلاف من جنوده في بغداد ومن نحوها، أو يمضي إلى جهة لبنان وشمال إسرائيل، حيث صواريخ إيرانية مماثلة في حوزة حزب الله، يمكنها أن تسبب إزعاجاً لإسرائيل، تلك المهمومة والمحمومة بأمنها الولايات المتحدة الأميركية التي تعمد جاهدة آناء الليل وأطراف النهار على إبقائها بعيدة عن الدخول في صراع مباشر مع إيران.

وفي غزة تبقى حماس بولاءاتها المتبدلة، طرفاً جاهزاً ومستعداً لتخفيف الضغط عن طهران، حال القارعة مع الولايات المتحدة الأميركية، غداً أو بعد غد.

يمكن القطع أن إيران نجحت من أسف مرة أخرى في بلورة رؤية تدفع عنها شكلياً المواجهة القادمة، وحتى تبدو وكأنها بريئة من كل ما يجري، وإن كان الجميع يدرك أنها غارقة حتى أذنيها في الإرهاب المعولم.. والسؤال هل من أهداف ما ورائية فيما تفعله إيران الآن؟

باختصار غير مخل يمكننا القطع بأن طهران وملاليها يعلمون تمام العلم نهاية اللعبة كما أشار إلى ذلك جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي وصقر المحافظين الجدد، التي تتمثل في حتمية التخلي عن برنامجها النووي والصاروخي، وبقية الطلبات الـ12.

تدرك إيران أنه لن يمكنها البقاء طويلاً في موقع وموضع المواجهة، لا سيما أن هناك رغبة أممية قوية في تشكيل جبهة قوية لمواجهتها ومجابهتها، فقد بات الخطر محدقاً بالمجتمع الدولي، وبأسواق الطاقة وبهيكل الاقتصاد الدولي.

ويدرك العالم أيضاً أن إيران لا تعرف غير لغة القوة والمواجهة الفوقية، وهي التي قامت بعمليات مهاجمة ناقلات النفط بما فيها الناقلة اليابانية في الوقت الذي كان فيه "شينزو آبي" رئيس وزراء اليابان يزور إيران، برغبة أميركية في دور وساطة فاعل وناجز، وهو ما لم ولن يحدث.

هروب إيران إلى التخوم ومحاولة إشعالها لن يضمن للملالي النجاة من التهاب المركز حتى الانفجار، فالتضييق عليها يوماً تلو الآخر بعقوبات جديدة، سيؤدي في خاتمة المطاف إلى ثورة الإيرانيين الباحثين عن لقمة الخبز وقطرة النفط لدوران عجلة الحياة، وهو ما يدركونه وبعمق ويسوفون الوقت عسى حدوث تغيير الأوضاع وتبدل الطباع ما لن يحدث في القريب ولا البعيد.

إيران سوف تجد نفسها في نهاية المطاف مرغمة وصاغرة على الجلوس إلى مائدة التفاوض مع الجانب الأميركي والبريطاني، وقريباً جداً بقية الأطراف الأوروبية، ولهذا فهي تريد أن تظهر امتلاكها أوراق قوة وضغط وتهديد، تضعها في موقف أقوى في أي مفاوضات جديدة قادمة.

المواجهة مع إيران تقتضي إن كانت هناك رغبة جدية في مواجهتها، إنهاء نفوذ التخوم بداية، وفي المقدمة منها الحوثي في اليمن، ولعل عمليات إيران الأخيرة من طائرات بدون طيار، واستهداف لمنشآت المملكة النفطية، وأخيراً حركة النفط في بحر عمان، قد جاءت رداً على تأكيد الرئيس ترمب في رسالة للكونغرس دعم عمليات التحالف الدولي المساند للشرعية في عملياته ضد الحوثي في اليمن.

لتكن البداية تحرير ميناء الحديدة ومن ثم حصار جيوب الحوثي، والمؤكد أن إيران وقتها سيضعف موقفها، وتالياً بقية تخوم الشر.

الخلاصة.. تصفية التخوم الإيرانية سيوجه الطعنة القاسية والقاتلة للمركز في طهران.
إقرأ ايضا
التعليقات