بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

على مدى 75 عاما .. ماذا حققت المجالس العربية المتخصصة من الاقتصاد إلى الأمن؟

218626-40256720

 على مدى العقود السبعة الماضية،  تطور هيكل ومؤسسات الجامعة العربية ، حتى أصبحت تضم عدداً كبيراً من المجالس والمنظمات واللجان التي تغطي معظم جوانب العلاقات العربية الاقتصادية والثقافية والأمنية وغيرها 

ومن الصعب قياس تأثير هذه المجالس  بدقة في العمل العربي المشترك بالمجال الذي يخصها، إلا أنّ بعض تلك الكيانات كان له أثرٌ في تطوّر هذا القطاع أو ذاك من قطاعات التعاون العربي بقدر أكبر من غيره.

وظلت بعض الجهات التابعة للجامعة ظلت تعمل بشكل مستمر حتى العقد الأخير، وراكمت قدراً معقولاً من الدراسات والاستشارات والوثائق التي تؤسس نظريّاً بشكل كافٍ لأي محاولة لإعادة إحياء دور الجامعة، لتحقيق الأهداف التي وضعها المؤسسون.

وإذا كانت تلك الجهود لم تثمر بالشكل الذي حققه تكتل إقليمي مشابه، هو الاتحاد الأوروبي مثلاً الذي انطلق في وقت قريب ما بعد الحرب العالمية الثانية، فإنّ ذلك يعود إلى أن الجامعة بدأت أولاً تجمّعاً سياسيّاً، ما جعل الجوانب الاقتصادية والقانونية والاجتماعية تتأثر بالسياسة، بينما الاتحاد الأوروبي بدأ بالجانب الاقتصادي كسوق أوروبية مشتركة ومجموعة أوروبية، ثم تعزز ذلك باتفاقات قانونية وأمنية وسياسية في ما بعد.

فترات ثلاث
ويمكن  تقسيم فترات عمل الجامعة إلى ثلاث مراحل، هي مرحلة البداية من 1945 وإلى حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 بين العرب وإسرائيل ومرحلة التجاذب والمطبات منذ منتصف السبعينيات إلى منتصف التسعينيات، وفترة الاستقرار والتعاون من النصف الأول للتسعينيات إلى مطلع العقد الثاني من القرن الحالي، وموجة الاحتجاجات التي سُميت بـ"الربيع العربي".

تميّزت فترة التأسيس بطغيان قضية العرب الرئيسة، وهي الصراع في فلسطين، التي كانت تحت الانتداب البريطاني وقت تأسيس جامعة الدول العربية من قِبل مصر والسعودية واليمن والعراق وسوريا ولبنان والأردن، وبهدف رئيس هو مواجهة ما تبقّى من الاستعمار البريطاني بالمنطقة العربية، وفي القلب منه تعهد البريطانيون إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وفي أول قمة عربية في 1950 كان العرب قد هزموا في حرب 1948، وأعلن قيام دولة إسرائيل، وصدّقت القمة على وثيقة "معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية، وملحقها العسكري"، وانضمّت بقية الدول العربية في الخمسينيات والستينيات إلى الاتفاق، وجرت عليه عدة تعديلات أهمها في 1977، المتعلقة بالجانب الاقتصادي.

وبعد توقيع مصر اتفاق سلام مع إسرائيل بنهاية السبعينيات قاطعت غالبية الدول العربية مصر، ونُقِل مقر الجامعة إلى تونس، وتراجع التعاون السياسي والعسكري لصالح تطوير استشارات التعاون الاقتصادي، وفي القطاعات الأخرى حتى غزا العراق الكويت مطلع التسعينيات، ووجد العرب أنفسهم أمام تحدٍّ غير مسبوق.

في تلك الفترة عملت اللجان الفنية والمجالس المتخصصة بشكل مستمر، مستفيدةً من تراث نظري لمنظمات دولية وإقليمية لوضع أطر التعاون الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وظل مجلس وزراء الداخلية العرب، ومقرّه الدائم في تونس، ومجلس وزراء الإعلام العرب من المجالس القليلة التي تحافظ على اجتماعاتها الدورية والتنسيق العربي المشترك.

وعلى مدى العقدين الأخيرين، من تسعينيات القرن الماضي إلى العقد الأخير، عادت مصر إلى الجامعة، وأصبح مجلس التعاون لدول الخليج العربي التجمّع الأقوى الأكثر استمراراً (فقد أخذ في الاعتبار البناء على التعاون الاقتصادي والاجتماعي أساساً)، وبدأ ذلك يصبغ العمل العربي المشترك إثر تراجع محاولات مجالس مماثلة لم تحقق الكثير، مثل الاتحاد المغاربي ومحاولات إقامة تعاون بين الدول المتبقية، خصوصاً مصر والعراق وسوريا وليبيا.

وفي العقد الأخير، واجه النظام العربي هزّة تمثلت في الاحتجاجات التي أطاحت حكومات بعض الدول، وتركت بعضها في وضع صراعات داخلية، وكان أساس كل تلك الاحتجاجات اقتصاديّاً واجتماعيّاً، ما يعدُّ دلالة على أن المرجو من التعاون العربي الاقتصادي والاجتماعي لم ينجز الكثير على مدى نحو سبعة عقود.

الاقتصاد والتجارة

لطالما ترددت في بداية مرحلة ما بعد الاستقلال لغالبية الدول العربية مقولة شهيرة، بأن المنطقة تملك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يجعلها أغنى منطقة بالعالم. فالسودان مثلاً يمكنه أن ينتج زراعيّاً وحيوانيّاً ما يكفي المنطقة، ويفيض من حاجاتها الغذائية، ورغم إخلاص الكثيرين لفكرة "الأمن الغذائي العربي" منذ البداية، فإنّ عوامل السياسة والصراعات الإقليمية كان لها الأثر الأكبر في عدم تحقيق ذلك، وليس فقط بسبب الصراع العربي الإسرائيلي، و"مؤامرات" الاستعمار الخارجي.

توجد أطنان من الوثائق والدراسات الاستشارية المتعلقة بالتجارة البينية العربية وسُبل تعزيزها والاستثمار المباشر بين دول الجامعة العربية وتنسيق السياسات النقدية ومعايير الاقتصاد الكلي. والغرق فيها لا يفيد كثيراً، فهي تستند كثيراً إلى تجارب منظمات الأمم المتحدة ذات العلاقة وأدبيات تجمّعات أخرى، مثل الاتحاد الأوروبي وكيانات التعاون الآسيوي المختلفة.

إنما يفيد هنا مراجعة سريعة للتقارير الدورية لصندوق النقد العربي، ومقره أبو ظبي عاصمة الإمارات، ومحاولة استخلاص مؤشرات سريعة على عمل المكوّن الأهم في جامعة الدول العربية، وهو المجلس الاقتصادي الاجتماعي ونتائجه.

من المهم الإشارة أيضاً إلى أنّ صندوق النقد العربي ربما يكون الأكثر نشاطاً وفعّالية، ومن بين منظمات الجامعة وله موقع على الإنترنت يحدَّث دوريّاً، من دون أن يعني ذلك أي تأثير كبير في توحيد السياسة النقدية العربية، لأسباب تتعلق بالتباين الكبير بين أوضاع الاقتصاد الكلي للدول المختلفة، وإن كان يعدُّ نموذجاً لما يمكن البناء عليه في أي جهد للتطوير وانطلاقة جديدة للجامعة والعمل العربي المشترك.

وحسب تقرير الصندوق لعام 2018 فإن التعاون الاقتصادي محدود مقارنة بالمقومات الاقتصادية للدول العربية، إذ لا تتعدى التجارة البينية العربية 13 في المئة من إجمالي التجارة الخارجية للدول العربية، بينما قدّرت الاستثمارات العربية البينية بنحو 18 في المئة فقط من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر المتدفقة إلى الدول العربية عام 2017.

تلك النسب المتواضعة للتجارة البينية والاستثمار المباشر هي ضعف ما كانت عليه قبل مطلع القرن الحالي، وجاءت الزيادة بنحو الضعف نتيجة تعرّض بعض الدول لاحتجاجات وهزّات سياسية واجتماعية استدعت دعم الدول العربية الغنية لتلك الدول، تفادياً لتصدع يستشري في المنطقة ويصيب الجميع.

هذا المثال يتكرر، وتحكمه توجهات سياسية أكثر منها إرادة جادة ومستدامة للتكامل الإقليمي على الطريقة الأوروبية مثلاً. وليس هناك نقص في الأطر القانونية والإجرائية لتعزيز ذلك التعاون في مجال التجارة والاستثمار مثلاً، إذ يمكن الاطلاع على أدبيات هائلة الكم على مدى عشرات السنوات الماضية التي تحتاج فقط إلى بلورة وتنفيذ إذا توافرت الإرادة السياسية لتفعيل العمل العربي المشترك.

التعاون الأمني

ربما كان مجلس وزراء الداخلية العرب من منظمات الجامعة العربية الأكثر تنسيقاً، وإن كان بعيداً عن الإعلام، ومستفيداً من وجود مقره وأمانته العامة في تونس وقيادة السعودية لأعماله. ورغم أن موقعه على الإنترنت متوقف منذ 2017 فإن متابعة أعماله منذ سبعينيات القرن الماضي تشير إلى أن التنسيق الأمني حرصاً على سلامة دول المنطقة في مواجهة أخطار داخلية وحتى خارجها كان الأكثر فاعلية.

إقرأ ايضا
التعليقات